فتح الله حافظي
في مدينة صار فيها الغبار عنصرًا قارًّا في المشهد الحضري، وتحولت الحفر إلى خرائط غير رسمية للتنقل، وصارت العشوائية أسلوب تدبير غير معلن، صادق المجلس الجماعي لسطات خلال دورة فبراير الأخيرة على مقرر يقضي بتوحيد لون الواجهات بالأبيض، وإطارات النوافذ بالخرذلي. وكأن المدينة تجاوزت كل أعطابها البنيوية، وحلّت معضلة العدالة المجالية، ولم يبقَ سوى ضبط الألوان وتجميل الصورة.
بهذا المقرر، لا بورش إصلاحي ولا برؤية حضرية متكاملة، تُختزل السياسة المحلية في علبة صباغة، ويُفرَّغ التدبير العمومي من مضمونه الحقيقي. الطرق المهترئة خارج الأولويات، أحياء كاملة تعيش التهميش البنيوي دون إنارة أو تجهيزات أساسية، نقل حضري مختنق ومفصول عن منطق الإنصاف المجالي، فيما يُقدَّم توحيد الألوان كـ«حل» شامل. الأبيض هنا لا يعكس الضوء، بل يعكس عجزًا عن معالجة الاختلالات، والخرذلي ليس اختيارًا جماليًا بقدر ما هو لون يُخفي الإهمال، ويُهادن الأعطاب، ويُريح من عناء الصيانة والمساءلة.
المشكل ليس في الألوان، بل في الاختيار السياسي. حين تُقدَّم مقررات تجميلية في دورات رسمية، بينما المدينة منقسمة بين أحياء مخدومة وأخرى منسية، فنحن أمام قلب متعمّد للأولويات، وضرب صريح لمبدأ العدالة المجالية. يُطلب من المواطن أن يلوّن إطار نافذته، في وقت يعجز فيه المجلس عن ضمان رصيف صالح للمشي، أو إنارة عمومية، أو نقل يحترم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ثم بأي منطق تُستنسخ ألوان مدن متوسطية لمدينة داخلية لها مناخها، وموقعها، وتاريخها العمراني المختلف؟ وهل يُدار المجال الحضري بالاستنساخ السطحي أم بالتخطيط الجاد؟ أم أن المطلوب فقط هو إنتاج واجهة “مرتّبة” تُسوَّق إعلاميًا، ولو على حساب الواقع الاجتماعي والمجالي المتفاوت؟
الأخطر أن هذا المقرر جاء بعد إلغاء مقرر سابق، بلا تفسير، بلا تقييم، وبلا أي نقاش عمومي. وهو ما يفضح منطقًا في التدبير لا يقوم على الرؤية والاستمرارية، بل على أغلبيات ظرفية وأذواق متقلّبة تُحوَّل، فجأة، إلى مقررات ملزمة، دون أدنى اعتبار لحق الساكنة في الفهم، أو المشاركة، أو المحاسبة.
ويبقى السؤال السياسي الجوهري: بأي رصيد من الثقة، وبأي شرعية، يُطلب من المواطنين الانخراط في مقرر تجميلي، في ظل أزمة ثقة خانقة مع التدبير المحلي؟ وكيف يُنتظر تفاعل إيجابي مع قرارات لا تُلامس معاناة الأحياء المهمشة، ولا تعالج الاختلالات المجالية، ولا تستحضر الواقع اليومي للساكنة؟
المدن لا تُدار بالألوان، بل بالقرارات الشجاعة.
الأبيض قد يلمّع الصورة، والخرذلي قد يلطّف الإهمال، لكن السياسة التي تُجمّل الفشل لا تُصلحه،
بل تُراكمه وتُعمّق كلفته الاجتماعية والمجالية.
ولهذه الأسباب مجتمعة، امتنعت فيدرالية اليسار الديمقراطي عن التصويت على مشروع هذا المقرر، ليس من باب العناد، بل باعتباره موقفًا سياسيًا واضحًا ضد منطق التجميل، وضد تغييب العدالة المجالية، وضد تحويل التدبير المحلي إلى واجهة شكلية تخفي عجزًا عن إنتاج سياسة حضرية عادلة وذات معنى.
