الدكتورة نهاد أفقير
أستاذة القانون الجنائي بكلية العلوم القانونية و السياسية – جامعة الحسن الأول، سطات
شهدت السياسة الجنائية المغربية تحولًا ملحوظًا في مقاربتها لجرائم الشيك، حيث انتقلت من مقاربة تقليدية يغلب عليها الطابع الزجري القائم أساسًا على العقوبات السالبة للحرية، إلى توجه أكثر مرونة يجعل من التسوية المالية واستيفاء الديون جوهر التدخل الجنائي. ويعكس هذا التحول إدراكًا تشريعيًا متزايدًا لضرورة ملاءمة القواعد الجنائية مع الواقع الاقتصادي، بما يضمن حماية حقوق الدائنين ويعزز استقرار المعاملات التجارية وحسن سير العدالة. وقد كرس القانون رقم 71.24 المعدل والمتمم لمدونة التجارة، مدعومًا بالدورية الصادرة عن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، هذا التوجه من خلال إرساء إطار مسطري جديد يشجع الأداء والتسوية ويحد من اللجوء إلى المتابعة الجنائية.
وبالاطلاع على المقتضيات القانونية المستحدثة لجرائم الشيك، أصبح توجيه الإعذار الرسمي للساحب شرطًا أساسيًا قبل تحريك الدعوى العمومية في حالات انعدام المؤونة أو عدم الوفاء. كما خُصصت مهلة ثلاثين يومًا قابلة للتمديد لتسوية وضعية الشيك، وتكليف ضباط الشرطة القضائية بإعذار المشتبه فيه بمحضر استجوابي فور توقيفه، مع إخضاع الساحب لأحد تدابير المراقبة القضائية، بما في ذلك المراقبة الإلكترونية. ويعكس هذا التوجه حرص المشرع والنيابة العامة على تفعيل المقتضيات القانونية بشكل عملي وفعال، بما يضمن تعزيز الأمن القانوني ويحد من تباين الاجتهادات القضائية، مقارنة بالمقاربة السابقة التي كانت تقوم على تحريك الدعوى بمجرد ثبوت عدم الأداء.
كما تجسد السياسة الجنائية الجديدة اعتماد مقاربة وظيفية تروم حماية الاقتصاد الوطني وضمان استقرار المعاملات التجارية، مع مراعاة وضعية الساحب. ويُعد جعل الأداء والتسوية محورًا لهذه السياسة دليلًا على وعي المشرع بأهمية التوفيق بين القواعد الجنائية ومتطلبات الواقع الاقتصادي، مع الإبقاء على الردع في الحالات التي تنطوي على خطورة خاصة. وقد نجح المشرع المغربي في تحقيق توازن واضح بين الزجر والاعتبارات الاقتصادية، وبين الردع وحماية حقوق الساحب، من خلال التركيز على التسوية مع الاحتفاظ بالعقوبات في الأفعال التي تمس الثقة العامة، حيث شملت التعديلات نظام العقوبات، إد تم تخفيف العقوبة الحبسية المقررة لجنحة عدم توفير المؤونة لتتراوح بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بدل سنة إلى خمس سنوات، مع غرامة مالية من 5000 إلى 20000 درهم. في المقابل، ظلت الجرائم الخطيرة المرتبطة بالتزوير أو استعمال الشيكات المزورة خاضعة لعقوبات أشد، تتمثل في الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 20000 إلى 50000 درهم. وتعكس هذه المقتضيات تمييزًا تشريعيًا بين الجرائم الاحتيالية الجسيمة وتلك الناتجة عن سوء تقدير أو إغفال. وتجدر الإشارة إلى أن جرائم الشيك المنصوص عليها في المادة 316 من مدونة التجارة ما تزال مستثناة من تطبيق أحكام القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، حفاظًا على الطابع الردعي للأفعال التي تمس الثقة في المعاملات التجارية.
وفي سياق هذه المستجدات، أقر القانون تعديلات مهمة بخصوص آثار الصلح والتنازل عن الشكاية، إذ يترتب على أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل من المستفيد، إلى جانب أداء الغرامة المقررة، سقوط الدعوى العمومية بقوة القانون، ويشمل ذلك جنحة قبول الشيك على سبيل الضمان بغرامة 2% بدل 25%. ناهيك عن إلغاء تجريم الشيك بدون مؤونة بين الأزواج، أو بين الأصول والفروع من الدرجة الأولى، تطال أسباب التبرير أيضا الازواج لمدة أربع سنوات بعد انحلال ميثاق الزوجية.
صفوة القول، يجسد القانون رقم 71.24 تحولًا نوعيًا ومحطة مهمة في مسار السياسة الجنائية المتعلقة بجرائم الشيك، إذ أرسى توازنا بين الحزم في مواجهة جرائم الاحتيال والتزوير، وإتاحة فرص التسوية في حالات الإغفال أو عدم توفر المؤونة، مع ضمان حقوق المستفيدين وفعالية الدعوى العمومية عند الاقتضاء. كما يعكس هذا الإطار التشريعي وعيًا متقدمًا بأهمية التوازن بين الزجر وحماية الاقتصاد، وبين الردع وصيانة حقوق الأفراد، مؤكدًا في الوقت ذاته توجّها تشريعيا نحو ترشيد الاعتقال الاحتياطي واعتماد رؤية إصلاحية حديثة للعدالة الجنائية.
