اخبار

د مهدي عامري.. هَلْ نَمْلِكُ شَجَاعَةَ مُوَاجَهَةِ أَزْمَتِنَا المَعْرِفِيَّة؟

د. مهدي عامري 

أستاذ الذكاء الاصطناعي، المعهد العالي للإعلام والاتصال – الرباط، المغرب

يبدو أن العبارة الشهيرة: «العرب لا يقرؤون، وإن قرؤوا لا يفهمون، وإن فهموا لا يطبّقون» – المنسوبة إلى المفكّر الراحل فؤاد زكريا – لم تفقد شيئًا من راهنيتها. ولا غرابة في أن تبقى حاضرة في كل نقاش يتناول أزمة النهضة العربية، لأنّها تمسّ جوهر المشكلة: العلاقة المتعثّرة بين المعرفة والفعل. إنّها ليست حكمًا قاسيًا بقدر ما هي توصيف لواقع يفرض نفسه حين نراقب المسافة بين الخطاب العلموي المنتشر في الفضاء العربي وبين النتائج الفعلية على الأرض. 

إن غاية هذا النقاش ليست جلد الذات، بل مساءلة البنية العميقة التي تحكم تعاملنا مع المعرفة الحديثة، وفي مقدّمتها البحث العلمي والرقمنة والذكاء الاصطناعي. فحين تُظهر تقارير اليونسكو أنّ مساهمة الدول العربية في الإنتاج العلمي لا تتجاوز 1% من الإنتاج العالمي، وحين يضع مؤشر الابتكار العالمي 2025 معظم البلدان العربية في مراتب بعيدة عن الصفّ الأول، فإنّ السؤال يُصبح ضرورة: فهل يمكن لأمّةٍ تملك رصيدًا حضاريًا ضخمًا أن تتقدّم وهي لا تُحوِّل هذا الرصيد إلى مشروع معرفي قوي و متجدد ؟ 

أعتقد أن الإشكال لا يكمن في انتفاء القدرات، بل في غياب العقلية التي تجعل المعرفة رافعة أساسية للتغيير بعيدا عن الشعارات الفارغة. إنّنا أمام واقع يشهد بأن الاستثمار في الإنسان ومعرفته ما يزال دون الطموح المطلوب، وأن التفاخر بالتراب و عبادة الماضي لا يمكن أن يعوّض غياب الحضور في المستقبل.

في هذا السياق، يبدو أن الفجوة الرقمية والعلمية ليست مجرّد عائق تقني، بل نتاج تراكم تاريخي لطريقةٍ في التفكير تتردّد أمام التحديث وتفضّل الدوران حول الذات.و في هذا السياق، تُظهر الأرقام بوضوح أنّ الميزانيات العربية المخصَّصة للبحث العلمي نادرًا ما تتجاوز 0.5% من الناتج الداخلي الخام، مقابل نسب عالية في الدول التي جعلت المعرفة محركًا لاقتصادها. ولا غرابة أن يكون عدد الباحثين في العالم العربي أقل من 700 باحث لكل مليون نسمة، بينما يصل في فنلندا وكوريا الجنوبية إلى الآلاف. هذه الفجوة ليست اقتصادية فقط، بل هي علامة على أن المعرفة لم تتحول بعد إلى ضرورة اجتماعية. إن غاية الرقمنة الشاملة المطلوب تنزيلها فعليا في الميدان ليست في تحديث الأجهزة ولا في إطلاق أكبر عدد ممكن من المنصّات الإلكترونية، بل في بناء عقلٍ قادر على استعمال مفيد للتكنولوجيا لتطوير التعليم والصحة والإدارة والإعلام. وليس المقصود أن نقلّد حرفيا الآخرين، بل أن نصوغ مسارًا خاصًا يقوم على رؤية عقلانية جديدة تتجاوز التكرار وتواجه الواقع كما هو.

و لذا، فإنّ الذكاء الاصطناعي مثلا، الذي تتسابق إليه دول العالم، لا يمكن أن يُثمر في بيئة تخشى التجديد أو تستنزف طاقتها في السؤال الساذج: هل يمكن أن نستخدم الـ AI ؟ و الحال أن السؤال الوجيه الذي يفرض نفسه هو بالأحرى: ما هي ادوات و استراتيجيات الانتقال السريع إلى عالم المعرفة المعاصرة التي تقودها، رغما عنّا، برمجيات الذكاء الاصطناعي؟ هذا اذن هو السؤال الحقيقي والحاسم.

 فهل يجوز أن نتحدّث عن المستقبل ونحن ما زلنا نستهلك التكنولوجيا أكثر مما ننتجها؟

إنّ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل مدخلًا لفهم نوع التحوّل الذي تحتاجه المنطقة إذا أرادت أن تجد لنفسها موقعًا في عالم سريع التغيّر. وهنا، أعتقد أن الشرط الأساسي للخروج من هذه الحلقة المفرغة هو الانتقال من ثقافة تبجيل التراث و تقديس الشيوخ إلى فلسفة بناء الأفق. فالمستقبل يحث الخطى ولا ينتظر أحدًا، والدول التي لا تبني سياساتها على المعرفة والبحث العلمي ستظل في الهامش. فكفانا تعلّقًا بالماضي وكفانا ترويجا لسردية التمسك بالجذور، بل هلموا إلى تحويلها إلى مصدر من الإلهام و العمل الجاد.

وختامًا، يبدو أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من المشروعات الضخمة، بل من العقلية: من تعليمٍ يعيد الاعتبار للسؤال، من جامعةٍ تُنتج المعرفة بدل تكرارها، ومن سياساتٍ ترى في الإنسان ثروة لا عبئًا.

 وانطلاقا من هذه المعطيات، فإنّ اللحظة التاريخية التي نعيشها – حيث يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العالم – تُلزمنا بأن نراجع أنفسنا بهدوء، لأن المستقبل لن يُصنع بالخطب والعنتريات، بل بالقدرة على تحويل الإرادة إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل. 

وإذا نجح العرب في تغيير هذه الذهنية، فإن الطريق نحو الغد، سيصبح ممكنًا ووافرا بالفرص الإمكانيات.

شارك المقال شارك غرد إرسال