الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس
في كل مرة كنت ألح على ضرورة تحرير الرجل من الصور النمطية عن المرأة، لأنه هو أيضا ضحية إلى جانب المرأة حين حوّل سلطته عبر قرون إلى وصاية مؤدلجة ومبررة حتى تتبناها المرأة نفسها.
فالحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها دون تجميل هي أن المرأة لم تكن يومًا عاجزة عن صناعة حضورها، بل كان الرجل، في بنيته الثقافية والاجتماعية، هو الذي خاف هذا الحضور. خاف استقلالها لأنه يهدد امتيازه. خاف اختلافها عنه لأنه يخلخل يقينه الموروث. وخاف نجاحها لأنه يكشف هشاشة تفوقٍ لم يُبنَ دائمًا على الاستحقاق، بل على احتكار السلط والفرص ومحض اختلاف الجنس.
لسنا أبرياء من التاريخ. فالكثير من الأعراف التي كبّلت المرأة صاغها رجال، والكثير من التأويلات التي ضيّقت عليها المجال العام صاغها رجال، وحتى الصور النمطية التي رُوّجت عنها – بين العورة والفتنة – كانت في جوهرها آلية ضبطٍ اجتماعي تحافظ على مركزية الرجل في السلطة والقرار والهيمنة.
من السهل أن نحتفل بعيد المرأة حين تكون أمًّا مضحية، أو زوجة صابرة، أو ابنةً مطيعة. لكن ماذا عن المرأة الطموحة التي تنافسنا في قاعة الدرس وفي المعمل وفي السياسة وفي سوق الإنتاج المادي والرمزي؟ عن المرأة التي ترفض الخضوع للدور المفروض عليها؟ عن المرأة التي تقول “لا” بوضوح؟ هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لخطابنا عن المساواة والمناصفة والعدالة و”النساء والرجال في الحقوق بحال بحال”. لأننا كثيرًا ما نحبّ صورة المرأة التي تخدم النظام القائم، لا تلك التي تعيد تشكيله والذي يضر بمركزية سلطتنا فيه.
الحديث عن تمكين المرأة لا يكون بمنحها مساحة مشروطة ولا عبر الكوطا التي تبدو مثل صدقة أو تنازل رجولي عن طوع الخاطر لنصيب له للمرأة، ولا بترقيتها رمزيًا في المناسبات، بل وأساسا بإعادة توزيع فعلية للسلطة والفرص. في البيت، حيث ما زال العمل غير المرئي وغير المقيم من حيث الإنتاجية يُلقى على عاتق المرآة. في سوق الشغل، حيث تُطالب أحيانًا بإثبات مضاعف لكفاءتها. وفي الفضاء العام، حيث يُساءل حضورها أكثر مما يُساءل حضور الرجل.
الأصعب في أي تغيير هو الاعتراف بالامتياز. أن يعترف الرجل بأنه استفاد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من نظام اجتماعي منحه أفضلية مسبقة. والاعتراف يعني وعيًا نقديًا يسمح ببناء علاقة أكثر عدلاً. لأن المساواة لا تتحقق فقط برفع الظلم عن الآخر، بل بالتنازل الواعي عن امتياز غير مستحق.
لقد آن الأوان أن نفهم أن قضية المرأة ليست “ملفًا نسويًا” معزولًا، وأن تحرير المرأة حقا هو اختبار حقيقي لمدى نضج مجتمعنا السياسي والثقافي. فمجتمع يضيّق على المرأة يضيّق، في النهاية، على إمكاناته هو. وكل طاقة مُهدرة بسبب التمييز هي خسارة جماعية لا فردية.. ولا يمكن أن نتقدم إذا ظل المجتمع المغربي يتنفس برئة واحدة، ولا يمكن أن نحقق أي تنمية إذا لم تكن هناك مساهمة للمرأة في الإنتاجية وفي خلق الثروة، وأن نقطع مع صفة “بدون” كمهنة للمرأة في المنزل لأن ذلك أكبر مذلة لنا جميعا رجال ونساء.
دوما في الثامن من مارس، ظللت أضع سؤالًا مباشرًا أمامنا نحن الرجال: هل نحن مستعدون فعلًا لشراكة كاملة، أم نكتفي بخطاب مريح لا يكلّفنا شيئًا؟ هل نقبل أن تكون المرأة ندًّا حقيقيًا في القرار والنفوذ، أم نفضّل أن تبقى في دائرة الاستشارة الرمزية؟
المرأة أكبر من مناسبة سنوية للاحتفاء العابر. إنها مرآة تكشف درجة عدالتنا وامتحان لصدق شعاراتنا. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر توازنًا، فعلينا أن نبدأ من تفكيك خوفنا، ومن مراجعة مسلّماتنا، ومن إعادة تعريف الرجولة بوصفها مسؤولية أخلاقية.
