كريم انتك
في خطوة وُصفت بالجريئة والحاسمة، تشهد مدينة برشيد تحولاً نوعياً على مستوى قلبها الحيوي المعروف تاريخياً بـ”الفيلاج” أو “القيسارية”، وذلك في إطار رؤية جديدة يقودها عامل إقليم برشيد، تهدف إلى إعادة هيكلة هذا الفضاء الاستراتيجي وفق معايير حديثة تواكب التحولات الحضرية والاقتصادية.
لطالما شكل “الفيلاج” نقطة جذب رئيسية لساكنة المدينة ومحيطها القروي، حيث تتقاطع فيه مختلف الأنشطة التجارية والخدماتية، غير أن هذا الفضاء ظل لسنوات رهين مظاهر العشوائية والاحتلال غير المنظم للملك العام، ما أثر سلباً على جماليته وعلى انسيابية الحركة داخله، فضلاً عن تداعياته الاقتصادية على التجار المنظمين.
ومع تعيين العامل الحالي على رأس الإقليم، بدأت معالم تدخل ميداني حازم لإعادة الاعتبار لهذا القلب النابض. فقد تم إطلاق مشروع طموح لإحداث سوق مركزي عصري، يستجيب لمتطلبات التنظيم والنظافة والجاذبية، ويشكل بديلاً حضارياً عن الفوضى التي كانت سائدة.
وفي هذا الإطار، باشرت السلطات المحلية حملة واسعة لتحرير الملك العمومي، عبر إجلاء الباعة الجائلين من النقاط السوداء التي كانت تعرقل السير وتُغذي الفوضى. غير أن هذه العملية لم تكن ذات طابع زجري فقط، بل رافقها بعد اجتماعي واضح، من خلال العمل على إدماج هذه الفئة داخل فضاءات مهيكلة تحفظ كرامتهم وتضمن استقرارهم المهني.
ويبرز في هذا السياق مشروع توسيع سوق إدريس لحريزي، الذي يُرتقب أن يستوعب عدداً مهماً من الباعة، ويوفر لهم ظروف اشتغال لائقة، في إطار رؤية توازن بين التنظيم الاقتصادي والحس الاجتماعي.
كما شملت التدخلات إزالة البنايات العشوائية والأوكار التي كانت تسيء للمشهد الحضري، وتعرقل جهود التنمية، وهو ما لقي استحساناً واسعاً لدى الساكنة والتجار على حد سواء، خاصة أولئك الذين عانوا من منافسة غير عادلة فرضها الاقتصاد غير المهيكل.
ويرى متتبعون أن هذه الدينامية الجديدة تعكس إرادة حقيقية لإرساء نموذج حضري حديث بمدينة برشيد، قوامه الحكامة الجيدة، واحترام القانون، وتحفيز الاستثمار المحلي. كما تفتح هذه الإصلاحات آفاقاً واعدة لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية، وتحسين جاذبية المدينة كمركز تجاري إقليمي.
وبينما تتواصل أوراش التأهيل، يحدو الأمل ساكنة برشيد في أن يستعيد “الفيلاج” بريقه التاريخي، وأن يتحول إلى فضاء منظم يليق بمكانة المدينة وتطلعاتها المستقبلية.
إنها بداية مرحلة جديدة، عنوانها: نهاية الفوضى وبداية مدينة حديثة تنبض بالحياة.
