اخبار

مظاهر الحماية الجنائية للأشخاص في وضعية إعاقة

الدكتورة : نهاد أفقير 

أستاذة القانون الجنائي بكلية العلوم القانونية و السياسية ،جامعة الحسن الأول، سطات

تُعدّ الحماية الجنائية للأشخاص في وضعية إعاقة من أبرز مؤشرات تطور السياسة الجنائية ببلادنا، لما تعكسه من وعي قانوني بحقوق الفئات الهشة، والتزام فعلي بمبادئ العدالة والمساواة. فهذه الفئة، بحكم وضعها الخاص، تظل أكثر عرضة لمختلف أشكال العنف والاستغلال، الأمر الذي يفرض إقرار حماية قانونية مضاعفة تستجيب لخصوصيتها.

وعلى هذا الأساس، صادقت المملكة المغربية على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها بتاريخ 14 أبريل 2009، باعتبارها ميثاقاً كونياً يكرّس حقوق الإنسان ويهدف إلى رفع الحيف والتمييز الذي قد يطال فئة الأشخاص في وضعية إعاقة. وقد شكّلت هذه المصادقة منطلقاً لتعزيز التزامات الدولة في اتجاه ترسيخ المشاركة الاجتماعية لهذه الفئة، خاصة عبر تأهيلها وإدماجها في سوق الشغل.

وفي السياق ذاته، تم تخصيص 30 مارس يوماً وطنياً للأشخاص في وضعية إعاقة، في خطوة تروم تعزيز الوعي المجتمعي بحقوقهم، وتكريس مكانتهم داخل النسيج الاجتماعي. كما حظي موضوع إدماجهم في سوق الشغل باهتمام متزايد من طرف مختلف الفاعلين الحقوقيين، ليصل الأمر إلى دسترة هذه الحقوق وجعلها ضمن صلب المنظومة الدستورية.

وقد انعكس هذا الالتزام على مستوى التشريع الوطني، سواء من خلال مجموعة القانون الجنائي أو قانون المسطرة الجنائية أو عبر نصوص خاصة في مقدمتها القانون الإطار 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، الذي شكل خطوة نوعية في ترسيخ حقوق هذه الفئة. 

في سياق تحديث منظومة العدالة الجنائية، أولى المشرع المغربي أهمية متزايدة لتعزيز حماية الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة على مستوى قانون المسطرة الجنائية المغربي، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمملكة، وقد تجلت هذه الحماية من خلال إقرار مجموعة من الضمانات الإجرائية التي تراعي خصوصية هذه الفئة، سواء في مرحلة البحث التمهيدي أو أثناء التحقيق والمحاكمة.

ففي مرحلة البحث التمهيدي، أصبح من الضروري مراعاة الوضعية الخاصة للشخص في وضعية إعاقة عند الاستماع إليه، سواء بصفته ضحية أو مشتبهاً فيه، من خلال اعتماد وسائل تواصل ملائمة، كترجمة لغة الإشارة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، أو تبسيط الخطاب القانوني بما يتلاءم مع قدراتهم الإدراكية.

أما على مستوى التحقيق والمحاكمة، فقد تعززت ضمانات المحاكمة العادلة من خلال تمكين الشخص في وضعية إعاقة من الاستعانة بمساعدة قانونية فعالة وحضور مرافق أو خبير عند الاقتضاء مع تكييف إجراءات الجلسات بما يضمن مشاركته الفعلية في الدفاع عن حقوقه،

كما أن مستجدات المسطرة الجنائية تتجه نحو تكريس بعد حمائي أكبر، من خلال تشديد المراقبة القضائية على الحالات التي يكون فيها الشخص في وضعية إعاقة، بما يحد من مخاطر التعسف أو سوء المعاملة، مما يفيد أنه رغم أن قانون المسطرة الجنائية المغربي لا يتضمن تنظيماً تفصيلياً شاملاً خاصاً بالأشخاص في وضعية إعاقة، إلا أنه يتيح إمكانيات مهمة لتكييف الإجراءات بما يحقق العدالة والإنصاف. 

ناهيك أنه تشكل الحماية الجنائية للأشخاص في وضعية إعاقة أحد تجليات تطور السياسة الجنائية الحديثة، التي لم تعد تكتفي بإقرار المساواة الشكلية أمام القانون، بل تسعى إلى تحقيق حماية فعلية من خلال تجريم أفعال محددة وتشديد العقوبات المقررة لها. وفي هذا الإطار، يكرس القانون الجنائي المغربي مجموعة من المقتضيات التي تروم حماية الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء من حيث طبيعة الجرائم المرتكبة ضدهم أو من حيث الجزاءات المطبقة.

فمن حيث الجرائم، تمتد هذه الحماية لتشمل الأفعال الماسة بالسلامة الجسدية والمعنوية، كجرائم الضرب والجرح والقتل، حيث يُعتد بوضعية الإعاقة كعنصر يبرر تشديد العقوبة، خاصة إذا ترتب عن الفعل عجز دائم أو استغلال واضح لضعف الضحية. كما تشمل هذه الحماية الجرائم المرتبطة بالاستغلال، وعلى رأسها جريمة الاتجار بالبشر، التي تعتبر فيها الإعاقة ظرفاً مشدداً بالنظر إلى قابلية الضحية للاستغلال، سواء في التسول أو العمل القسري أو الاستغلال الجنسي. ولا تقل الجرائم الجنسية خطورة، إذ يشدد المشرع العقوبات في حالات الاغتصاب وهتك العرض إذا كان الضحية في وضعية إعاقة، لاسيما الذهنية منها، اعتباراً لغياب أو ضعف القدرة على التعبير عن الرضا.

وتمتد الحماية أيضاً إلى الجرائم المرتبطة بالإهمال وسوء المعاملة، حيث يُحمّل القانون المسؤولية لكل من له سلطة أو ولاية على شخص في وضعية إعاقة إذا أخلّ بواجب الرعاية أو عرّضه للخطر. كما يُجرّم كل سلوك تمييزي أو مهين قائم على الإعاقة، لما يشكله من مساس بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

أما من حيث العقوبات، فإنها تتسم بطابع الزجر والتشديد، حيث تتراوح بين العقوبات السالبة للحرية التي قد تصل إلى السجن المؤبد في الجرائم الخطيرة، والغرامات المالية، فضلاً عن العقوبات الإضافية كمنع الجاني من مزاولة بعض المهن أو حرمانه من بعض الحقوق. ويعكس هذا التوجه رغبة المشرع في إقرار حماية معززة تتلاءم مع خصوصية هذه الفئة. وعليه، يتضح أن الحماية الجنائية للأشخاص في وضعية إعاقة لا تقوم على إفرادهم بنصوص خاصة في جميع الحالات، بقدر ما تعتمد على توظيف آلية الظروف المشددة وتوسيع نطاق التجريم، بما يضمن صون كرامتهم الجسدية والمعنوية، ويكرس انسجام التشريع الوطني مع الالتزامات الدولية ذات الصلة.

فبما أن فعالية هذه الترسانة القانونية تظل رهينة بمدى تنزيلها على أرض الواقع. فالممارسة تكشف عن مجموعة من التحديات، من أبرزها صعوبة التبليغ عن الجرائم المرتكبة في حق الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء بسبب الخوف أو ضعف الوعي القانوني. كما تبرز إشكالية محدودية الولوجيات داخل بعض المؤسسات القضائية. 

في الختام، يمكن التأكيد على أن المملكة المغربية، من خلال مصادقتها على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتطويرها لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربي، قد وضعت أسس حماية جنائية متقدمة للأشخاص في وضعية إعاقة. فقد سعى التشريع المغربي إلى دمج مقاربة حقوقية تحفظ كرامة هذه الفئة، وتضمن لهم محاكمة عادلة وإجراءات ملائمة أثناء التحقيق والمحاكمة، مع تشديد العقوبات على كل من يستهدفهم بالإيذاء أو الاستغلال أو التمييز.

إن السياسة الجنائية تعكس وعي المملكة بأهمية توفير حماية خاصة للفئات الهشة، وتجسد التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مما يعزز مصداقية النظام القضائي ويؤكد الدور الرائد للمغرب في مجال حماية الأشخاص ذوي الإعاقة على الصعيدين القانوني والاجتماعي، ويشكل نموذجاً يحتذى به في تعزيز العدالة الجنائية والحماية الشاملة للحقوق.

✍️ دة. نهاد أفقير

أستاذة القانون الجنائي بكلية العلوم القانونية و السياسية جامعة الحسن الأول سطات

شارك المقال شارك غرد إرسال