اخبار

أنيس الرافعي.. أنثروبولوجيّ السرد المغربي

بقلم محمد بدازي، كاتب من المغرب

“كنت أفضل دائما أن أكون تمساحا صغيرا مكتملا، على أن أكون ذيلا لتمساح كبير”. أنيس الرافعي

ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، استضاف رواق وزارة الثقافة والشباب والتواصل، لقاءً مع القاص المغربي الكبير أنيس الرافعي، وقام بتسييره الناقد والشاعر الدكتور عمر العسري، وعرف حضورا كميا ونوعيا شمل كتابا وصحفيين ومهتمين بالأدب عموما، وفن القصة خصوصا.
قضى هذا الحضور ساعة من الجمال حكى فيها القاص أنيس الرافعي قصة مساره الطويل في فن القصة.
أكد أنيس الرافعي، في بداية كلمته، أنه بدأ كتابة القصة بشكل متنطع، وبكثير من الصخب والصراخ، تَمثَّل في إصدار بيانات تهاجم مؤسسات أدبية، في ما يشبه “رشاشا أدبيا يطلق النار في كل الاتجاهات”.
لم تكن صرخة البداية صرخة أدبية في نظره، بل كانت اجتماعية وسياسية تجاه أمور عانى منها جيل التسعينيات. جيل نهاية سنوات الرصاص، ونهاية كل “السرديات الكبرى” بتعبير فرانسوا ليوتار.
بعد المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة “التنطع”، حسب الرافعي، جاءت مرحلة الجماعات الأدبية. يقول في هذا السياق: “كنا في جماعات انتهت بأن تقاتلت مع بعضها كما تتقاتل العصابات في الأحياء الخلفية لمدينة نيويورك، الأمر الذي أدى إلى طعن بعضنا البعض، تاركين في أرواحنا جروحا وندوبا أزلية لم نبرأ منها إلى اليوم”.
ومتأسفا لمآل تلك الجماعات، واصل الرافعي كلمته بالقول إنه من غير الجيد للكتاب الناشئين الانخراط داخل جماعات بعينها، بل يجب على كل كاتب أن يشق طريقه بعيدا أن أي تجمع أو تجمهر أو تحزب.
لم تخلُ هذه المرحلة هي الأخرى من صخب. فقد تمرد فيها جيل الرافعي على “شيوخ المشهد القصصي المغربي وتماسيحه”، مؤكدا أن هذا التمرد، وموقفهم من الجيل السابق لهم، كان موقفا يحتاج إلى مراجعة نسبية، لأنه جيل يتضمن “أسماء كبيرة لديها رؤيتها الخاصة… وحققت تراكما… وهي مدارس حقيقية للتعلم”.
بعد مرحلتَي البيانات الصاخبة والجماعات الأدبية، شق أنيس الرافعي مساره في ما أسماه مرحلة التجريب. يقول: “لم أرضَ يوما في مساري القصصي بشيئين: أولا أن أكتب على منوال أحد الكتاب المعروفين، لأنني سأعيد إنتاجهم في نسخة رديئة… وثانيا أن أكون تحت مظلة أو قبة أو ضريح أي شيخ”. ويضيف: ” كنت أُفضل دائما أن أكون تمساحا صغيرا مكتملا، على أن أكون ذيلا لتمساح كبير”.
عرف هذا التجريب “الرافعيُّ”، إن صح القول، أشكالا مخلتفة؛ يبدأ بتقطيع النصوص، ويمر عبر البحث عن مغامرات جمالية غير محمودة العواقب، ولا ينتهي عند البحث عن لغة وعوالم جديدة. وقد واصل هذا التجريب تطوره ليفتح مروحته تجاه فنون أخرى بحثا، يقول الرافعي، “عن سرد بديل” قادر على الانتهاكات الجمالية. يقول في هذا السياق: “أحسست بأن فن القصة القصيرة، وأنا أفكر فيه من الداخل، قد وصل إلى مرحلة لم يعد قادرا على النمو… فالأقانيم التي قامت عليها القصة القصيرة، وصلت إلى نوع من الإشباع الجمالي”.
يبدو أن القصة وصلت هنا، في نظر الرافعي، إلى مرحلة الاحتضار أو الشحوب أو الانهاك، شأنها شأن الملحمة والمسرحية الشعرية، لذلك “لم تعد الجوائز تقبل عليها، ولا دور النشر تهتم بها، ولا كتابها يحظون باللمعان الذي يحظى به غيرهم من كتاب الرواية والشعر”.
هنا، والحال هذه، حيث أصبح فن القصة، كما يقول الرافعي، “فنا فقيرا، وغير مغرٍ، ويعاني إعاقة جمالية”، كان لابد له أن ينفتح على فنون أخرى مثل: الفوتوغرافيا، التشكيل، السينما، الخ. فقد انفتح الرافعي في مجموعته “البرشمان” مثلا، على الصناعة التقليدية المغربية. يقول: “كتبت هذه المجموعة بالتقنية نفسها التي يشتغل بها صانع البرشمان”. وانفتح في مجموعته “اعتقال الغابة في زجاجة”، على السينما، محاولا الكتابة وفق تقنياتها ومراجعها البصرية.
لم يكن هدف الرافعي هنا، كما جاء في كلمته، هو النجاح، بل كان الهدف هو “الوصول إلى نتيجة مختبرية جمالية معينة”.
“ثم تعبت من هذه المرحلة، واحتجت لإحداث قطيعة داخلها”، هكذا قال الرافعي عن مرحلة التجريب، لينفتح من جديد على مرحلة جديدة أسماها “السرديات الخفية أو السحرية”.
يقول عن هذه المرحلة: “هنا بدأت الاهتمام بالسحر المغربي، والشعوذة، والأضرحة، والأولياء، وليالي كناوة… لأبدأ مشغلا جديدا لاكتشاف تقنيات جديدة”.
هنا، في هذه المرحلة، ظهرت مجموعته “أريج البستان في تصاريف العميان”، ومجموعته “الشركة المغربية لنقل الأموات”.
ولم تنتهِ رحلة أنيس الرافعي هنا، بل ظهرت مرحلة جديدة أسماها “مرحلة السرد الشاماني”. يقول: “كأنني كنت منحرفا ثم وصلت، في هذه المرحلة، إلى التوبة… التوبة القصصية”. قال الرافعي هنا بأنه بدأ القراءة في الشامانية، سواء في آسيا أو أمريكا اللاتينية أو غيرهما، محاولا اكتشاف أفكار جديدة لحكماء من مختلف بقاع العالم. وهنا ظهرت، يقول، مجموعته “جميعهم يتكلمون من فمي” الصادرة سنة 2024 عن دار خطوط وظلال الأردنية.
يبدو أن أنيس الرافعي حاول في هذه المرحلة العيش في اللامرئي أو الماورائي… كأنه ينتقل من مرحلة المحسوس إلى المجرد، أو من المادي إلى الروحي، كأنه حكيم يوناني، أو صيني، يخلق فلسفة.
ثم ماذا؟ هل من مرحلة جديدة بعد كل هذه المراحل؟
“بعد كل هذا، أحاول في كتاب جديد الاشتغال على قصص انطلاقا من أشكال موسيقية مغربية تقليدية (اثنوميزوكولوجية)، وبعدها سأرتاح قليلا وأتوقف لفترة من الزمن بعد إجهاد ذهني كبير”، هكذا ختم الرافعي كلمته.
إن الملاحظ لهذا المسار الغني، يكتشف أن الرافعي لم يكن يكتب القصة بوصفها خيالا صرفا، بل بوصفها طريقة لقراءة الواقع المغربي في تفاصيله الدقيقة: من الحرف التقليدية إلى الطقوس الشعبية، ومن موسيقى كناوة إلى عوالم السحر والسينما.
ولذلك، فإن أنيس الرافعي لا يبدو مجرد قاص، بل إنه أنثروبولوجي وعالم سرديات يلاحظ ويحلل ويفسر ويؤول من خلال سرده. ينصت إلى كل ما هو هامشي ومهمش، ويحوله إلى مادة قصصية يتقاطع فيها الجمال بالمعرفة، والتخييل بالواقع.

شارك المقال شارك غرد إرسال