اخبار

عز العرب العلوي.. المخرج هو المسؤول الأول عن الجوانب الإبداعية والتقنية في صناعة الفيلم

حاورته: نادية الزوين

عزالعرب العلوي لمحرزي ، مخرج سينمائي وسيناريست مغربي ، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط ، اول من حصل على دكتوراه في السينما بالمغرب منذ سنة 1996، أستاذ الدراسات السينمائية بالعديد من المؤسسات الجامعية، ورئيس مركز سجلماسة للدراسات والأبحاث السمعية البصرية ، مدير المهرجان الدولي للسينما الوثائقية الافريقية Rabat Doc Africa  اخرج للسينما العديد من الأفلام السينمائية ك فيلم  ايزورا  2008واندرومان 2012 وكيليكيس دوار البوم 2017 …و اخرج للتلفزيون فيلم مسحوق الشيطان 2008، بيت من زجاج 2010 ، الرقاص 2011…واخرج اكثر من خمسين فيلما وثائقيا لقنوات وطنية ودولية. ألف العديد من الكتب في الثقافة السينمائية اهما كتاب “المقاربة النقدية للخطاب السينمائي بالمغرب”، “المرشد في الإخراج السينمائي” ، “المرشد في صناعة الفيلم الوثائقي” ، “التفاحة والكرنك” …

نالت اعماله المتميزة العديد من الجوائز الوطنية والدولية .

حدثنا عن بداياتك مع السينما؟

كانت البداية داخل النوادي السينمائي، حيث كنت أحضر جلسات لمناقشة جديد الساحة الوطنية والدولية. كما كنت أشارك في تدريبات كانت تنظمها جمعية الفيلم المتوسطي بمدينة فاس. ثم تعزز ذلك عبر النقد السينمائي  كممارسة وتحليل الخطاب البصري كموضوع اشتغلت عليه في أبحاثي ورسائلي الجامعية سواء في الدراسات العليا أو في مرحلة الدكتوراه. ثم حصلت على شهادة الإخراج من كندا سنة 2004، وكنت ضمن المؤسسين الأوائل لاتحاد نقاد السينما بالمغرب،  ثم جمعية نقاد السينما بالمغرب فيما بعد.

ثم ولجت عالم السينما فعليا من خلال الاشتغال والتدريب إلى جوار أبرز المخرجين السينمائيين في المغرب حيث عملت مع المخرج محمد عبد الرحمن التازي في فيلم البحث عن زوج امرأتي في عام 1990، ومع الجيلالي فرحاتي في فيلم خيول الحظ سنة 1994،

أما التجربة الحقيقية الأولى في الإخراج فكانت من خلال السلسلة الوثائقية التي أنجزتها لفائدة القناة الأولى؛ وهي حلقات لأشهر الأعلام الذين زاروا المغرب، مثل جاك بريل وشارلي شابلن وأورسون ويلز وغيرهم. كما قمت بإعداد وتنسيق برامج أخرى لصالح القناة الأولى منذ سنة 1998، هذه الممارسة الميدانية المقرونة والموازية للتكوين الأكاديمي والتقني خولت لي فيما بعد إخراج أول أفلامي السينمائية القصيرة: فيلم “بيدوزا” عام 2004، ثم فيلم “جزيرة يوما ما” عام 2005، وموعد في وليلي في سنة 2006، وفيلم إزوران وأفلام قصيرة عديدة وكذا إخراج مجموعة أفلام وثائقية متعددة المواضيع والقضايا لصالح محطات ومؤسسات إعلامية مغربية وعربية، لتتكلل المسيرة السينمائية بأول إخراج سينمائي طويل لي وهو فيلم “أندرومان من دم وفحم” في عام 2012.

  1. إلى أي مدى تلتفت المؤسسات الثقافية المغربية لدعم وإنتاج سينما نخبوية ومتى سنرى في دور العرض أفلاما جيدة؟

نلحظ في السنوات الأخيرة اهتماما من طرف المؤسسات الرسمية الثقافية بالشأن السينمائي، وقد تمثل ذلك في زيادة عدد الأفلام المنتجة، وارتفاع عدد المهرجانات السينمائية، وفي زيادة ميزانيات الدعم لأنواع فيلمية من بينها الفيلم السينمائي الوثائقي. لكن مازلنا في حاجة لسياسة ثقافية شجاعة وجريئة ولمؤسسات ثقافية ترى في السينما لغة وفكرا إضافة لكونها ترفيها، من خلال توجيه الإنتاج نحو سينما إبداعية موجهة لجمهور واع، سينما ذات أهداف فكرية وليست تجارية، سينما تلامس هموم المواطن وتطرح أفكارا. ولكي نرى هذه النوعية من الأفلام في دور العرض، يتطلب الأمر وجود صناديق تمويلية خاصة، وجرأة من طرف الرأسمال الخاص في تمويل مشاريع سينمائية ذات مواضيع وثيمات تلامس الهم الإنساني وتخلق وعيا لدى المتلقي، وتؤسس لمجتمع يفكر ويحلل ويسعى لدور السينما لمشاهدة أفلام سينمائية تجعله يطرح أسئلة خلال عملية التلقي وما بعدها، وتخلق حالة نقاش مجتمعي، بدل سينما تجارية تهدف للمتعة فقط والترفيه، وينساها المتفرج بمجرد أن يخرج من قاعة العرض. 

  • ما هو الدور الذي يلعبه المخرج في تصميم تجربة المشاهد؟

المخرج هو المسؤول الأول عن الجوانب الإبداعية والتقنية في صناعة الفيلم السينمائي، فهو مفتاح نجاح العمل من خلال حسن إدارة الطاقم العامل معه، من تقنيين وممثلين، ومن خلال التحكم في سير أحداث الفيلم. فهو المهندس الذي يصمم مَشاهد العمل السينمائي وهو المسؤول عن المشاعر المتنوعة التي تخلقها اللقطات وعن نقلها للمتلقي خلال عملية التلقي، عبر رؤيته الإخراجية الخاصة، ومن خلال أسلوبه وفلسفته في الإخراج. فالمخرج هو في الوقت نفسه يجب أن يكون ملما إلى حد ما بكل المهن ذات العلاقة بالسينما، ومطلعا على علم النفس، وعلم الاجتماع ويعرف كيفية إدارة فريق العمل وحل المشكلات وتدبير الأزمات، كي يكون العمل متكاملا ويوصل للمُشاهد خطابا بصريا غنيا ولغة سينمائية ثرية وتحمل بصمة المخرج الخاصة.

  • هل اختيار فريق العمل الخاص بالفيلم يتكرر في كل عمل أم أن هناك لكل عمل فريق خاص؟

فيما يخص فريق العمل الفني، دائما ما تكون ثيمة الفيلم هي التي تفرض الأسماء التي ستشارك في تشخيص الأدوار التي رسمها السيناريو للشخصيات، لكن هناك بعض الأسماء التي كنت حريصا دائما على حضورها في أعمالي، سواء الأفلام القصيرة أو الطويلة، مثل أمين الناجي، ومحمد خويي، وراوية ، محمد الرزين، حسن بديدا …

أما فريق العمل التقني ما يهمني فيه هو الخبرة والمهنية العالية، لذلك أسعى دائما للاستفادة من تجارب تقنيين مختلفين ومن خبراتهم سواء في مجال الصوت أو الصورة، لكن بعض الأسماء عملت معي مرات متكررة مثل غزلان أسيف في المونتاج، وكذلك مدير التصوير أندرياس سينانوس الذي اشتغل معي في فيلم كيليكيس دوار البوم …

  • ما رأيك في حالة النقد التي أصبح يتعرض لها الفن المغربي؟

النقد كان وسيظل دائما حالة صحية يحتاجها الفن بكل فروعه للتقدم، خاصة السينما، بل نحتاج لتخصص جامعي ووجود شعبة نقد ضمن الأسلاك الجامعية التي تدرس السينما في بلادنا.

لا ننسى أن النوادي السينمائية في المغرب شكلت في وقت مضى منبرا حيويا انتعش فيه النقد بحضور نقاد وصحافيين وطلبة وعشاق سينما ومخرجين وأكاديميين وأساتذة جامعيين. ومع تطور العملية الإبداعية في المغرب وانتعاش الإنتاج السينمائي، حاولت أقلام عديدة مواكبتها وتفكيكها وتحليلها فنيا من خلال قراءة تفاصيل الصورة بشكل أكاديمي وعلمي وأكثر مصداقية، لكن ظل هذا الحقل قاصرا على مواكبة إنتاج الأفلام في بلادنا.

فباستثناء أقلام نقدية رصينة وقليلة، فالسينما في المغرب تخضع أحيان كثيرة لعملية نقدية تنطلق من دوافع ترمي لتصفية حسابات شخصية، ووضع العصا في العجلة، أو لتلميع أسماء على حساب أخرى من خلال مقالات نقدية تهدف للمحاباة والمجاملة،  بدل التصويب والتحليل ودراسة سبب اختيار أنماط إخراج معينة لتلك الأفلام، ودلالات الفيلم، وسبر أغوار شخصيات العمل، وقراءة المفكر واللامفكر فيه لإعادة تشكيل الصورة، وذكر الأعطاب الحقيقية المرتبطة بصناعة السينما في بلادنا، بغرض إثراء النقاش وخلق حوار ثقافي مجتمعي يُطلقه فيلم سينمائي ما، ومحاولة خلق رؤية نقدية لدى المتلقي للسعي لترسيخ ثقافة سينمائية حقيقية بين الجمهور المغربي، وللتأسيس لنقد سينمائي حقيقي في المغرب يتعامل مع كل منجز سينمائي بشكل مستقل عن سابقه، وليس انطلاقا من نظريات نقدية جاهزة ومستوردة تصلح لفيلم ولا تلائم فيلما آخر.

  • كيف تتعامل مع الممثل الذي يفرض عليك من جهة الإنتاج؟

لغاية الآن، لم يتم فرض أي ممثل على من جهة إنتاجية معينة، فعادة ما تكون السيناريوهات التي أشتغل عليها سواء لغيري أو ما أكتبه شخصيا أضع منذ البداية تصورا للشخصيات ومن سيشخصها بعيدا عن أي إملاء من طرف آخر.

  • كيف اكتشفت هوسك بالكاميرا والاخراج؟

الهوس بالكاميرا بدأ في مدينتي الرشيدية عندما كنت طفلا، حيث كنت ارتاد سينما الوزيس بالرشيدية لاستكشاف عالم الصورة المبهر. ثم فيما بعد داخل نادي النخيل السينمائي، بمدينة الرشيدية حيث كنت أحرص على مشاهدة ومناقشة أفلام منتقاة من السينما العالمية داخله وتحليلها والتعرف إلى تجارب مخرجين عالميين. ثم نادي الركاب السينمائي حينما انتقلت الى مدينة فاس .

فاستمر هذا الشغف بالسينما وسحر الشاشة الفضية من داخل الثانوية، حيث قمت بتجربة أولى في الإخراج رفقة أصدقاء الدراسة بثانوية سيجلماسة، بواسطة كاميرا فيديو وإمكانيات بسيطة بالكاد توفرت لنا في تلك المنطقة، حيث أعددنا وأخرجنا فيلما تحت عنوان “أنقذوني” منذ سنة 1986.

  • من الصعوبات التي تواجه المخرج هي الأمور المادية كيف يمكنك أن تتجاوزها؟

الأمور المادية من الصعوبات والتحديات التي تطرح دائما قبل بدء إخراج وإنجاز أي فيلم، إذ يجب انتظار طلبات العروض التي تطرحها المؤسسات الثلاث الراعية والممولة للإنتاج السينمائي في المغربي، المركز السينمائي المغربي من خلال صندوق الدعم، والقناتين الأولى والثانية المغربيتين، وانتظار نتائج طلبات العروض تلك. فما يتم تقديمه في حالة رسو الاختيار على مشروع فيلمي لي، أبدأ مشوار البحث عن شركاء آخرين، سواء جهات رسمية داخل الجماعات الترابية التي أنوي التصوير فيها، أو شركات إنتاج أجنبية عربية أو أوروبية تطرح عروضا لتمويل أفلام سينمائية معينة، لذلك أترقب قبل أي مشروع تواريخ العروض وأراسل الجهات المعنية. كما ألجأ أحيانا لمالي الخاص، أذكر مرة تطلب مني الأمر بيع عقار بمدينة الرشيدية كي أكمل تمويل فيلم اندرومان…  

  • حدثنا عن فيلمك الأخير؟

أفريكا-بلانكا فيلم تراجيدي اجتماعي انتقلت فيه نحو ثيمة مختلفة عن فيلمي الطويلين أندرومان من دم وفحم، وكيليكيس دوار البوم. وإن كنت دائما في نفس السياق الذي يتناول المعاناة الإنسانية لفئة مستضعفة داخل المجتمع، لكن هذه المرة في فضاء أرحب، هو امتداد للمغرب ذي الطابع الأفريقي. فالفيلم الجديد يتناول رحلة عذاب شاب أفريقي يعاني الظلم في قريته، فيضطر للهجرة رفقة أمه نحو المغرب في انتظار فرصة للوصول للعالم الحر بشكل غير شرعي، نرافقه طيلة مراحل سفره الذاتي والخارجي. 

  • معهد السينما ماذا يمثل لك؟

هو بيتي الثاني الذي ساهمت إلى جانب آخرين في وضع اللبنة الاولى لتأسيسه، وأتمنى أن يسهم في تخريج أجيال تسهم بشكل فعال في التأسيس لصناعة سينمائية مغربية.

  1. ماهي الصعوبات التي تواجهها في عملك كمخرج؟

العنصر المادي هو أول وأهم التحديات التي تواجه أي مخرج في بلادنا، ففي غياب رأسمال خاص مستعد للمغامرة وخوض تجربة الإنتاج السينمائي يبقى المخرج في المغرب رهينا بانتظار طلبات العروض من المؤسسات المذكورة سالفا.

كما أن التوزيع والتسويق من الصعوبات التي تعترضني كمخرج في مرحلة ما بعد الإنتاج إذ يتطلب الأمر القيام بذلك بنفسي والتنقل على دور العرض السينمائي في المدن المغربية وتوزيع الفيلم، ومراسلة المهرجانات الوطنية والدولية، في غياب مجهودات الدولة والخواص لترويج المنتوج الوطني.

  1. كلمة أخيرة


آمل أن نتوفر يوما على صناعة سينمائية وطنية حقيقية قائمة على أسس متينة وتنافس إقليميا وعالميا وتضمن لنفسها الديمومة والاستمرارية.

شارك المقال شارك غرد إرسال