اخبار

“طابلو” بدار الثقافة الداوديات: تشريح لجمالية “البياض” وتفكيك لهشاشة الروابط الإنسانية.

بقلم عبد العزيز أوشنوك

​شهدت خشبة دار الثقافة الداوديات بمراكش، ضمن افتتاح الدورة الثامنة لمهرجان الحمراء الوطني للمسرح، عرضا استثنائيا لفرقة “دوز تمسرح” بعنوان “طابلو” (Tableau). وهو العمل الذي أخرجه الفنان عبد الجبار خمران برؤية معاصرة، محولا النص العالمي الشهير لياسمينا رضا إلى مختبر بصري وسيكولوجي، أمام جمهور نوعي حج بكثافة ليؤكد أن المسرح الجاد لا يزال يمتلك سلطة الجذب والتأثير.
​1. النص والاقتباس: من الصالون إلى “المشرحة” الذهنية.
​لم يكن “طابلو” مجرد اقتباس حرفي لنص “الفن” (Art)، بل كان إعادة صياغة بصرية وروحية. الحكاية التي تبدأ بشرارة بسيطة (شراء لوحة بيضاء بمبلغ باهظ) تتحول في يد خمران إلى “ديناميت” يفجر زيف العلاقات. البياض هنا لم يكن فراغا فنيا، بل كان مساحة كاشفة؛ فخا دراميا أجبر الشخصيات على تعرية ذواتها، ليتحول النقاش حول “الفن” إلى محاكمة شرسة للصداقة والغيرة والتعالي الطبقي.
​2. التشخيص: ثلاثية التناغم والتوتر.
​جسد الثلاثي وليد مزوار في دور سلمان، عصام الدين محريم في دور مبارك ، وجمال الدين كنو في دور سعد ، حالات إنسانية معقدة بلياقة أدائية عالية. لقد نجحوا في إدارة “لعبة التوتر” فوق الخشبة، حيث انتقل الأداء من الكوميديا الموقفية إلى التراجيديا النفسية بسلاسة مدهشة.
​الشخصية “المدافعة” بدت وكأنها تدافع عن وجودها لا عن لوحتها.
​الشخصية “المتمردة” عكست صدمة الواقع في مواجهة الادعاء النخبوي.
​الشخصية “الوسيطة” جسدت تذبذب الإنسان وتيهه بين إرضاء الآخرين والحفاظ على هويته.
هذا التناغم جعل الجمهور ينخرط وجدانيا في صراع “بين-شخصي” يتجاوز حدود الركح.
​3. السينوغرافيا: بلغة “الأقل هو الأكثر”
​وفقا لما كشفت عن العرض، لعبت السينوغرافيا التي صممها الفنان يوسف العرقوبي دورا محوريا في بناء الدلالة. لقد اعتمد العرض على “سينوغرافيا الاختزال”:
​الفضاء التجريدي: بياض الخلفيات طغى على المكان، مما حول الخشبة إلى “لوحة كبرى” يتحرك فيها الممثلون كخطوط وظلال. هذا الاختزال جعل من الجسد البشري هو بؤرة الضوء الوحيدة، ومنح “اللوحة البيضاء” (الموضوع) حضورا طاغيا رغم بساطتها.
​لغة الألوان والضوء: الأزياء المختارة (الأسود، الكريمي، الوردي) كانت بمثابة “توقيعات لونية” تشرح طبيعة كل شخصية فوق بساط البياض. أما الإضاءة، فقد اشتغلت كأداة لنحت الملامح وتعميق العزلة السيكولوجية، مما أضفى بعدا ثالثا على الفضاء المسرحي رغم ان إمكانيات الإضاءة في القاعة لا تخدم العرض.
​4. التلقي الجماهيري: المسرح كمرآة للمجتمع.
​إن نجاح العرض في استقطاب جمهور نوعي وغفير بدار الثقافة الداوديات يثبت أن الرهان على “المسرح الذهني” الذي يخاطب الذكاء والوجدان هو رهان كاسب. تفاعل الحضور مع لحظات الصمت بقدر تفاعله مع الحوارات الحادة، مما يعكس قدرة المخرج على ضبط إيقاع العرض (Tempo) ومنع الرتابة من التسلل إلى نص يعتمد بالأساس على الكلمة.
​على ضوء ما سبق، ​عرض “طابلو” هو انتصار للصورة المسرحية والعمق الفلسفي. لقد استطاعت فرقة “دوز تمسرح” أن تقدم فرجة بصرية ممتعة، ولكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالا مقلقا: هل نحب الآخرين لما هم عليه، أم للصورة التي نود أن نراهم فيها؟ لقد خرج الجمهور من الداوديات وهو لا يحمل ذكرى “لوحة بيضاء” فحسب، بل يحمل أسئلة حول صدق علاقاته الإنسانية في عالم يزداد زيفا. “طابلو” هو بحق، “لوحة” مسرحية رسمت بذكاء المخرج، وتفاني الممثلين، وحس السينوغراف المرهف.
​البطاقة التقنية:
​الإخراج: عبد الجبار خمران.
​السينوغرافيا: يوسف العرقوبي.
​التشخيص: وليد مزوار، عصام الدين محريم، جمال الدين كنو.
​المكان: دار الثقافة الداوديات، مراكش.
​السياق: افتتاح مهرجان الحمراء الوطني للمسرح – الدورة 8.

شارك المقال شارك غرد إرسال