اخبار

برشيد… حين تتحول المدينة إلى هامش منسي

نادية الزوين

ليست المدن مجرد بنايات إسمنتية وطرق معبدة، بل هي قبل كل شيء شعور بالانتماء والأمان وفرص العيش الكريم. غير أن واقع برشيد يكشف عن مفارقة مؤلمة مدينة تنمو عمرانيا بوتيرة متسارعة، لكنها اجتماعيا ما تزال تعاني اختلالات عميقة تجعل جزءا من ساكنتها يعيش على هامش التنمية.

توسع بلا عدالة اجتماعية

خلال السنوات الأخيرة، عرفت برشيد توسعا عمرانيا ملحوظا، وارتفعت الأحياء الجديدة وتزايد عدد السكان بشكل لافت، مستفيدة من قربها الجغرافي من الدار البيضاء. لكن هذا النمو لم يرافقه تطور مماثل في الخدمات العمومية أو البنيات الثقافية والاجتماعية، ما خلق فجوة واضحة بين صورة المدينة في الخرائط الرسمية وحقيقتها في الحياة اليومية.

فأحياء عديدة ما تزال تعاني نقص الإنارة، ضعف الفضاءات الخضراء، وغياب مرافق للشباب، وهو ما يعمّق الإحساس بالتهميش لدى فئات واسعة، خاصة في الأحياء الشعبية.

البطالة… قلق يومي للشباب

أكبر تحد تواجهه المدينة اليوم هو البطالة، التي تحولت إلى هاجس يومي داخل الأسر. فالشباب، بمن فيهم حاملو الشهادات، يجدون أنفسهم أمام فرص عمل محدودة أو وظائف هشة لا توفر الاستقرار الاقتصادي ولا الكرامة المهنية.

هذا الواقع لا ينتج فقط أزمة اقتصادية، بل يخلق حالة من الإحباط الجماعي، حيث يتحول الانتظار الطويل إلى شعور بفقدان الأفق، ويصبح المستقبل فكرة ضبابية بدل أن يكون مشروعا واضحا.

السرقة كعرض لمرض اجتماعي

في ظل هذه الظروف، برزت خلال السنوات الأخيرة شكاوى متزايدة من بعض مظاهر السرقة والجريمة الصغيرة. ورغم أن تعميم الصورة يظل مجحفا في حق المدينة وساكنتها، فإن تجاهل الظاهرة أخطر من تضخيمها.

فالسرقة ليست سبب الأزمة بقدر ما هي نتيجة لها نتيجة البطالة والهشاشة الاجتماعية والهدر المدرسي وغياب فضاءات الاحتواء والتأطير. وعندما يغيب الأمل، تتحول بعض السلوكيات المنحرفة إلى تعبير عن اختلال اجتماعي أعمق.

الحاجة إلى رؤية تنموية جديدة

إن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية، بل تتطلب رؤية تنموية شاملة تجعل الإنسان محور السياسات المحلية. فتنمية المدن لا تقاس بعدد المشاريع الإسمنتية، بل بقدرتها على خلق فرص حقيقية وتحقيق العدالة المجالية.

ومن بين الخطوات الضرورية:

دعم الاستثمار المحلي المولد لفرص الشغل.

تعزيز التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق العمل.

إحداث فضاءات ثقافية ورياضية للشباب.

إشراك المجتمع المدني في صياغة الحلول التنموية.

برشيد بين الواقع الممكن والمستقبل المنتظر

برشيد ليست مدينة فاشلة، بل مدينة تنتظر فقط أن تُمنح فرصة عادلة. فهي تمتلك موقعا استراتيجيا وطاقات شبابية قادرة على المساهمة في التنمية إذا توفرت الظروف المناسبة.

إن مستقبل المدينة لن يصنعه الإسمنت وحده، بل سيصنعه الاستثمار في الإنسان، لأن المدن التي تهمل شبابها لا تؤجل أزماتها فقط، بل تؤسس لها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: هل ستتحول برشيد إلى نموذج تنموي صاعد، أم ستظل مدينة قريبة جغرافياً من مركز الاقتصاد، بعيدة اجتماعيا عن ثماره؟

شارك المقال شارك غرد إرسال