توفيق مباشر
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على انطلاق مشروع عقاري يحمل اسم “كابريس إيموبلي” بمدينة مراكش، وجد عشرات المتضررين أنفسهم أمام واقع صادم: شقق لم تُسلّم، وأشغال متوقفة، وتساؤلات قانونية معلّقة في انتظار الحسم القضائي.
الملف الذي تفجّر مجددًا هذا الأسبوع، جاء عقب لجوء مجموعة من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وأجانب إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، مطالبين بفتح تحقيق في ما وصفوه بعملية نصب واحتيال مرتبطة بالمشروع.
عقود حجز وأموال مدفوعة… دون تسليم
وبحسب المعطيات الواردة في الشكاية، التي وضعتها المنظمة الحقوقية للتعاضدية المغربية لحماية المال العام والدفاع عن حقوق الإنسان، فإن المشتكين أبرموا عقود حجز وأدوا مبالغ مالية مهمة مقابل اقتناء شقق سكنية داخل المشروع، اعتمادًا على معطيات تفيد بمشروعيته وجاهزيته القانونية.
غير أن الأشغال توقفت، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات، تبيّن – وفق ما جاء في المراسلة – أن المشروع لا يتوفر على تصاميم التهيئة ولا على رخص بناء للطابقين الرابع والخامس، رغم أنهما سُوِّقا منذ سنة 2019 على أساس البيع النهائي.
الأبعاد الدستورية للقضية
من الناحية الدستورية، يستند المتضررون إلى مقتضيات دستور المملكة لسنة 2011، لا سيما:
الفصل 35 الذي يضمن الحق في الملكية ويحميه.
الفصل 118 الذي يقر بحق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه المشروعة.
الفصل 120 الذي ينص على الحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول.
الفصل 154 الذي يؤكد خضوع المرافق العمومية لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى مهتمون أن طول أمد الملف دون حسم يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ “الأجل المعقول” في معالجة القضايا ذات الطابع المالي والعقاري.
التأطير القانوني: بين الالتزامات والعقوبات الجنائية
من الناحية القانونية، يمكن تأطير القضية ضمن عدد من النصوص:
الفصل 540 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرّم النصب باستعمال وسائل احتيالية لحمل الغير على تسليم أموال.
الفصل 547 من القانون الجنائي المتعلق بخيانة الأمانة.
الفصل 231 من قانون الالتزامات والعقود الذي يوجب تنفيذ الالتزامات بحسن نية.
الفصل 259 من نفس القانون الذي يقر مبدأ التعويض عن الضرر الناتج عن عدم تنفيذ الالتزام.
ويؤكد المشتكون أن الأضرار التي لحقت بهم لم تكن مالية فقط، بل امتدت إلى أضرار نفسية واجتماعية، خاصة بالنسبة لأفراد الجالية المغربية الذين اضطروا إلى التنقل المتكرر بين فرنسا والمغرب منذ أزيد من سنة لمحاولة إيجاد حل ودي دون جدوى.
مسار قضائي متعثر
ووفق ما صرّح به المتضررون، فقد تم تقديم أكثر من 20 شكاية لدى المصالح المختصة، والاستماع إلى الأطراف من طرف الشرطة القضائية، قبل إحالة الملفات على وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بمراكش.
غير أن المسار عرف تأجيلات متكررة، خاصة بعد الإدلاء بشهادات طبية خلال جلستي 27 يناير و3 فبراير 2026. كما فوجئ المشتكون بتاريخ 10 فبراير 2026 بعدم إدراج ملفهم ضمن القضايا الرائجة، حيث أُبلغوا بأن التأجيل تم في إطار محاولة صلح، وهو ما نفوه، مؤكدين أنهم لم يُخطروا بأي مسطرة صلح ولم يحضر دفاعهم خلال مسطرة التقديم.
بين النزاع العقاري والرهان على ثقة المستثمرين
القضية، بحسب المنظمة الحقوقية، لم تعد مجرد نزاع عقاري، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى حماية المستثمرين الصغار، خصوصًا أفراد الجالية المغربية بالخارج الذين يعوّلون على الاستقرار القانوني في استثماراتهم العقارية بالمملكة.
ويؤكد المتضررون أنهم يضعون ثقتهم في مؤسسات العدالة المغربية، مطالبين بفتح تحقيق شفاف، وتحديد المسؤوليات، وضمان استرجاع حقوقهم وفق ما يقتضيه القانون.
في انتظار كلمة القضاء، يبقى السؤال المطروح: هل تتحول هذه القضية إلى نموذج لترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أم تبقى ضمن الملفات العقارية التي طالها طول الانتظار؟
