بقلم عبد العزيز أوشنوك
في خريطة المشهد الثقافي الوطني، حيث تتوهج المدن الكبرى بالأضواء والفعاليات والمهرجانات، يواصل الفنان في المدن الصغرى والهامشية مسيرته في صمت، بعيدا عن دوائر الضوء والاهتمام. هناك، لا يكون الإبداع مجرد اختيار جمالي، بل يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية في مواجهة التهميش، وقلة الإمكانيات، وغياب الاعتراف.
الفنان في هذه المناطق يشتغل داخل شروط صعبة، تبدأ بغياب البنيات التحتية الثقافية الأساسية. فالمسارح شبه منعدمة، ودور الثقافة تعاني في كثير من الأحيان من ضعف التجهيز أو غياب البرمجة المنتظمة، مما يفرض على الفنان أن يبتكر فضاءاته الخاصة، أو يشتغل في ظروف لا تليق بالفعل الفني. هذا الواقع لا يؤثر فقط على جودة الإنتاج، بل يحد أيضا من فرص التفاعل مع الجمهور، ومن إمكانية تطوير التجربة عبر الاحتكاك والتراكم.
إلى جانب ذلك، تطرح الهشاشة المادية نفسها كواحدة من أبرز التحديات. فالدعم العمومي يظل محدودا، وغالبا ما يتركز في المدن الكبرى، بينما تغيب المبادرات الخاصة القادرة على احتضان المشاريع الفنية في المناطق الهامشية. أمام هذا الوضع، يجد الفنان نفسه مضطرا للجمع بين شغف الإبداع ومتطلبات العيش، في معادلة مرهقة تستنزف الوقت والطاقة، وقد تدفع في كثير من الأحيان إلى التوقف أو التراجع.
ولا يقل التهميش المؤسساتي أثرا عن باقي الإكراهات، إذ يشعر العديد من الفنانين في المدن الصغرى أنهم خارج خريطة الاهتمام الثقافي، وأن فرص المشاركة في التظاهرات الكبرى أو الاستفادة من برامج الدعم تبقى محدودة. هذا الإقصاء غير المعلن يكرس الفوارق بين المركز والهامش، ويجعل من العدالة الثقافية شعارا أكثر منه واقعا ملموسا.
أما الجمهور، الذي يشكل ركيزة أساسية لأي فعل فني، فيبقى في طور التشكل داخل هذه البيئات. فضعف التراكم الثقافي وقلة العروض المنتظمة ينعكسان على مستوى التلقي، كما أن بعض التمثلات الاجتماعية لا تزال تنظر إلى الفن باعتباره نشاطا ثانويا لا يرقى إلى مستوى الأولويات اليومية. وهو ما يضاعف من شعور الفنان بالعزلة، ويجعله يشتغل في كثير من الأحيان دون صدى حقيقي.
ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن إغفال أن الهامش ينتج أشكالا فنية صادقة، نابعة من عمق الواقع المحلي، وقادرة على التعبير عن قضايا الإنسان البسيط بلغة قريبة ومؤثرة. فالفنان في هذه الفضاءات لا يملك ترف الزخرفة، بل يشتغل بما هو متاح، ويحول النقص إلى مصدر للإبداع، والقيود إلى دافع للابتكار.
غير أن استمرار هذا الوضع يطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الثقافة خارج المدن الكبرى، وحول جدوى السياسات الثقافية التي لا تراعي التوازن المجالي. فدعم الفنان في الهامش لا ينبغي أن يفهم كفعل إحساني، بل كجزء من رؤية شمولية تضع الثقافة في قلب التنمية، وتعتبرها حقًا من حقوق المواطن، أينما كان.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط في إنتاج أعمال فنية، بل في خلق بيئة ثقافية عادلة تتيح للفنان، في كل مناطق الوطن، أن يبدع في ظروف لائقة، وأن يصل صوته إلى الجمهور دون عوائق. فحين يمنح الهامش ما يستحقه من اهتمام، لا يربح الفنانون وحدهم، بل يربح الوطن بأكمله ثراءه الثقافي وتعدده الإبداعي.
عبد العزيز أوشنوك.
