اخبار

برامج التنمية الترابية المندمجة: نحو إعادة هندسة الحكامة العمومية وإرساء عدالة مجالية مستدامة


بقلم: حبيل رشيد

لا شك أن إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يشكل، في السياق الوطني الراهن، منعطفًا مؤسساتيًا حاسمًا، وتحولًا نوعيًا في فلسفة تدبير السياسات العمومية، حيث إن الأمر لم يعد مرتبطًا بمجرد إطلاق برامج ظرفية أو مبادرات قطاعية متفرقة، وإنما يتعلق بإعادة بناء شاملة لمنطق التدخل العمومي على أسس مندمجة، متناسقة، ومؤطرة برؤية استراتيجية طويلة المدى… وبالتالي فإن هذا الورش الإصلاحي يندرج ضمن مسار تراكمي يسعى إلى تصحيح اختلالات بنيوية رافقت التجارب السابقة، وإعادة توجيه البوصلة نحو تحقيق تنمية متوازنة، عادلة، ومجالية في جوهرها.

ومن المؤكد أن هذا التوجه الجديد يستمد مشروعيته من التحولات العميقة التي عرفها المغرب في مجال تدبير الشأن العام، خاصة في ظل ترسيخ خيار الجهوية المتقدمة، وتعزيز اللاتمركز الإداري، حيث إن المجال الترابي لم يعد مجرد نطاق جغرافي لتنفيذ السياسات، وإنما أضحى فضاءً ديناميًا لإنتاج الحلول، ورافعة مركزية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي… ومن ثم، فإن البرامج الجديدة تأتي لتكريس هذا التحول، عبر اعتماد مقاربة تقوم على التشخيص الترابي الدقيق، واستحضار الخصوصيات المحلية، وربط المسؤوليات بالإمكانيات، بما يضمن نجاعة أكبر في الأداء العمومي.

ولا يخفى أن الغلاف المالي الضخم المرصود لهذه البرامج، والذي يتجاوز 210 مليارات درهم، يعكس إرادة سياسية واضحة في إحداث قطيعة مع منطق التدخلات المحدودة الأثر، حيث إن حجم الموارد المرصودة لا يمكن فهمه إلا في سياق الرغبة في إحداث تحول هيكلي في بنية التنمية الترابية… غير أن هذا المعطى المالي، على أهميته، لا يشكل في حد ذاته ضمانة كافية لتحقيق النتائج المرجوة، إذ إن التجارب المقارنة، بل وحتى الوطنية، أثبتت أن إشكالية التنمية لم تكن يومًا مرتبطة بندرة الموارد، بقدر ما ارتبطت بضعف الحكامة، واختلال آليات التتبع والتقييم، وغياب المساءلة الفعلية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المقاربة التشاركية التي يقوم عليها الجيل الجديد من البرامج، حيث إن إشراك الفاعلين المحليين، من منتخبين، وإدارات ترابية، وفاعلين اقتصاديين، ومجتمع مدني، يمثل مدخلًا أساسيًا لضمان ملاءمة المشاريع مع الحاجيات الحقيقية للسكان… كما أن اعتماد التشخيص الميداني، بدل المقاربات الفوقية، من شأنه أن يعزز دقة التدخلات، ويحد من هدر الموارد، ويضمن تحقيق أثر ملموس على مستوى تحسين ظروف العيش.

وعلاوة على ذلك، فإن اعتماد إطار حكامة متعدد المستويات يشكل أحد أبرز مرتكزات هذا الورش، حيث يتم توزيع الاختصاصات بين المستوى الوطني، والجهوي، والمحلي، وفق منطق التكامل والتنسيق، بما يضمن تفادي التداخل والازدواجية في المهام… كما أن إحداث شركات جهوية للتنفيذ يمثل آلية مبتكرة تهدف إلى تجاوز بطء المساطر الإدارية التقليدية، وتعزيز مرونة التدبير، وتحقيق فعالية أكبر في إنجاز المشاريع.

وفي هذا الإطار، أكدت عميدة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق بالدار البيضاء، فاطمة الزهراء علمي، أن هذا التوجه يشكل “دينامية جديدة للحكامة تضع التنمية والمواطن في صلب السياسات العمومية”، وهو توصيف دقيق يعكس طبيعة التحول الجاري… إذ إن إعادة تموقع المواطن في قلب الفعل العمومي، باعتباره غاية ووسيلة في الآن ذاته، يمثل أحد المؤشرات الدالة على نضج المقاربة الجديدة، وانتقالها من منطق التدبير الإداري الصرف إلى منطق الخدمة العمومية ذات الأثر المباشر.

كما شددت العميدة على أن هذا الورش يمثل “منعطفًا حاسمًا” في تنزيل النموذج التنموي الوطني، وهو توصيف يستبطن إدراكًا عميقًا لحجم التحديات المطروحة، وطبيعة الرهانات المرتبطة بها… حيث إن تجاوز الفوارق المجالية، وتقليص التفاوتات الاجتماعية، وتحقيق الإدماج الاقتصادي، كلها أهداف لا يمكن بلوغها إلا من خلال سياسات عمومية مندمجة، متناسقة، ومؤطرة بمنطق استراتيجي بعيد المدى.

ومن جهة أخرى، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة، كأحد المبادئ الدستورية المؤطرة للعمل العمومي، يكتسي أهمية خاصة في سياق تنزيل هذه البرامج، حيث إن ضمان نجاعة التدخلات يمر حتمًا عبر تفعيل آليات المراقبة، وتعزيز الشفافية، وتمكين هيئات التتبع من الوسائل القانونية والتقنية اللازمة… إذ إن غياب المساءلة الفعلية كان، دون ريب، من بين الأسباب الرئيسية التي أفرغت العديد من البرامج السابقة من محتواها، وحولتها إلى مجرد شعارات دون أثر ملموس.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إعداد برامج طموحة، أو تعبئة موارد مالية ضخمة، وإنما في القدرة على إرساء ثقافة جديدة في التدبير العمومي، تقوم على النزاهة، والفعالية، والالتزام بالنتائج… حيث إن نجاح هذا الورش الإصلاحي يظل رهينًا بمدى انخراط مختلف الفاعلين في منطق المسؤولية، وتجاوز السلوكات الريعية التي أعاقت، لسنوات، مسار التنمية.

إضافة إلى ذلك، فإن التحول الرقمي يشكل أحد الدعائم الأساسية لتعزيز حكامة هذه البرامج، حيث إن اعتماد أدوات رقمية متقدمة في التتبع والتقييم من شأنه أن يساهم في تحسين جودة المعطيات، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية… كما أن إتاحة المعلومات للعموم يمثل خطوة مهمة نحو تكريس مبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وفي بعده الأكاديمي، يكتسي هذا الورش أهمية خاصة، حيث إن الجامعة مدعوة إلى الاضطلاع بدور محوري في مواكبة هذه الدينامية، من خلال تعبئة البحث العلمي، وتطوير برامج التكوين، وإنتاج المعرفة التطبيقية المرتبطة بالحكامة الترابية… وهو ما أكدت عليه العميدة فاطمة الزهراء علمي، حين أشارت إلى ضرورة ملاءمة التكوينات الجامعية مع التحولات الجارية، بما يضمن إعداد كفاءات قادرة على تدبير الشأن الترابي بكفاءة واحترافية.

ومن ثم، فإن العلاقة بين الجامعة وصانع القرار تظل عنصرًا حاسمًا في إنجاح هذا الورش، حيث إن إنتاج المعرفة العلمية، وتوظيفها في صياغة السياسات العمومية، يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز جودة القرار العمومي، وتقليص هامش الخطأ في التدبير… كما أن إشراك الباحثين والخبراء في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ البرامج من شأنه أن يساهم في إغناء النقاش العمومي، وتحسين فعالية التدخلات.

غير أن هذه الطموحات، على وجاهتها، تظل مشروطة بمدى القدرة على القطع مع الممارسات التي أفرزت اختلالات عميقة في التجارب السابقة… حيث إن ضعف التنسيق بين المتدخلين، وهيمنة منطق القطاعية، وغياب رؤية مندمجة، كلها عوامل ساهمت في محدودية أثر السياسات العمومية، رغم تعدد البرامج وتنوعها.

لذلك، فإن المرحلة الحالية تفرض تبني مقاربة جديدة، قوامها التكامل بين السياسات، والانسجام بين المتدخلين، والتركيز على النتائج بدل الوسائل… كما أن اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأثر، وربط التمويل بتحقيق الأهداف، يمثل خطوة ضرورية لضمان نجاعة التدخلات، وتفادي تكرار الاختلالات السابقة.

ومن الثابت أن تحقيق العدالة المجالية يظل أحد الأهداف المركزية لهذه البرامج، حيث إن تقليص الفوارق بين المجالات الترابية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، يمثلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة… غير أن بلوغ هذا الهدف يتطلب إرادة حقيقية في إعادة توزيع الموارد، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر هشاشة، بدل تكريس التفاوتات القائمة.

وفي المحصلة، فإن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يمثل فرصة استراتيجية لإعادة بناء منظومة الحكامة العمومية على أسس جديدة، قوامها الفعالية، والشفافية، والمساءلة… غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل رهينًا بمدى الالتزام الجماعي، السياسي والمؤسساتي والمجتمعي، بتفعيل هذه المبادئ، وترجمتها إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع.

إن المغرب يقف اليوم، بالفعل، على أعتاب مرحلة جديدة، تتطلب وضوحًا في الرؤية، وصرامة في التنفيذ، وجرأة في اتخاذ القرار… وبالتالي فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يتم تحويل هذه الدينامية إلى تحول حقيقي ومستدام، أم يعاد إنتاج نفس الاختلالات بصيغ مختلفة؟… الجواب، دون ريب، يظل معلقًا بمدى القدرة على ترسيخ حكامة فعلية، تتجاوز الشعارات، وتؤسس لممارسة عمومية مسؤولة، قائمة على الأثر والنتائج.

شارك المقال شارك غرد إرسال