توفيق مباشر
أثار الجدل الأخير المرتبط بقضية “الشيك على سبيل الضمان” نقاشاً واسعاً في الأوساط المحلية، خاصة في ظل التغييرات التشريعية المتعلقة بالشيكات لسنة 2026، والتي ألغت عملياً التعامل بالشيك كوسيلة ضمان أو ائتمان خارج إطاره القانوني الصرف. فالقانون الجديد جاء ليحسم في ممارسات ظلت لسنوات محل انتقاد، مؤكداً أن الشيك أداة وفاء فوري، وليس وسيلة ضغط أو ضمان.
غير أن الخرجة الإعلامية الأخيرة لأحد المستشارين الجماعيين أعادت فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: لماذا الآن؟ ولماذا لم يتم توضيح المعطيات للرأي العام قبل دخول التعديلات حيز التنفيذ؟
المسألة لا تتعلق فقط بالجانب القانوني، بل تتجاوز ذلك إلى البعد الأخلاقي والسياسي. فحين يُتداول رقم 15 مليون سنتيم في سياق معاملة مرتبطة بشيك، يبرز سؤال جوهري حول مصدر هذه المبالغ وطبيعة المعاملات التي تتم باسم “الثقة” أو “المساعدة”. خصوصاً وأن المعني بالأمر يُعرف، حسب متداول محلياً، بكونه كان قبل سنوات قليلة في وضع اجتماعي بسيط دون مدخول قار.
الأكثر إثارة للنقاش هو التحول المفاجئ في الصورة: من شخص محدود الإمكانيات إلى مستشار قادر على “إقراض” مبالغ مهمة، وتوزيع 120 قفة رمضانية بقيمة 520 درهماً للقفة الواحدة، في توقيت حساس يسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. هنا، يحق للرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام عمل اجتماعي خالص، أم أمام حملة انتخابية سابقة لأوانها مغلفة بثوب الإحسان؟
المشهد يطرح إشكالية أعمق تتعلق بتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. موظف يقضي أربعين سنة في الخدمة العمومية بالكاد يستطيع تأمين متطلبات أسرته، في حين يتمكن منتخب محلي خلال ولاية واحدة من الظهور بمظهر “المحسن الكبير”. هذا التفاوت يغذي الشكوك ويضع الثقة في المؤسسات على المحك.
ثم إن وضع مبلغ مالي كبير داخل سيارة دون احتياطات واضحة يثير بدوره علامات استفهام حول طبيعة التعاملات ومدى قانونيتها، خاصة إذا كانت مرتبطة بشيك يفترض أنه لم يعد يُستعمل كضمان بموجب التعديلات الجديدة.
المطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، بل فتح نقاش شفاف ومسؤول حول مصادر الأموال، وحدود العمل الإحساني في المجال السياسي، ومدى احترام القوانين المنظمة للمعاملات المالية. فدولة القانون تُبنى على الوضوح والمساءلة، لا على “البوز” وصناعة الصورة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستبادر الجهات المعنية إلى توضيح الحقائق للرأي العام، أم سيظل الجدل سيد الموقف إلى حين اقتراب موعد الانتخابات؟
